اسماعيل بن محمد القونوي
438
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( بعد الجبابرة ) أي بعد هلاك فرعون وقومه قال في تفسير قوله تعالى : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا [ الأعراف : 137 ] يعني أرض الشام ملوكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا في نواحيها فعلم أن المراد بالجبابرة هنا الفراعنة والعمالقة وقال أيضا قبل هذا في تفسير قوله تعالى : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ [ الأعراف : 129 ] ولعله أتى بفعل الطمع لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم أولادهم وقد روي أن مصرا إنما فتح لهم في زمن داود عليه السّلام فعلم أن فيه اختلافا لكن لا يضر المقصود فتأمل « 1 » ( وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما وإذا ابتدؤوا كسروا الألف ) . قوله : ( وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت ) متعلق بقوله وليمكنن لهم أشار إلى أنه مأخوذ من المكان إذ الجامد قد يؤخذ منه الفعل واشتق منه وأصل التمكين جعل الشيء في مكان على أن بناء التفعيل للتعدية ثم استعمل في لازمه وهو التثبيت والتقوية مجازا ثم صار حقيقة عرفية . قوله : ( من الأعداء ) لا من العذاب لأن الاستخلاف يلائم الأول ( وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف ) . قوله : ( منهم فكان رسول اللّه عليه السّلام وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى أنجز اللّه وعده ) منهم أي من الأعداء لا من العذاب في الآخرة والخوف من الأعداء بمقتضى البشرية قوله : يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [ النمل : 10 ] محمول حين يوحى إليهم وأما في غير الوحي فقد يقع الخوف من الأعداء فاتضح حسن قوله وكان رسول اللّه عليه السّلام وأصحابه خائفين الخ والحمل على التغليب جائز لكن الأول يؤيده قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] الآية وفي قوله تعالى : وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ [ النور : 55 ] الآية مبالغة إذ التبديل في الخوف حيث زال الخوف منهم وحصل الأمن بدله وإيقاع التبديل عليهم للمبالغة إذ لا تبديل للذات « 2 » بل هو من صفة إلى صفة أخرى . قوله : بالتقوية والتثبيت متعلق بقوله ليمكنن لهم أي ولنجعلن دينهم مكينا مقررا لهم بأن قويناهم وثبتناهم عليه . قوله : حتى أنجز اللّه وعده فأظهرهم على العرب معنى أظهرهم غلبهم بالتشديد وأصله من ظهرت على الرجل غلبته وأظهرت بفلان اعليت به وأظهره اللّه على عدوه أي غلبه عليه أي جعله غالبا على عدوه .
--> ( 1 ) إذ أولادهم من بني إسرائيل . ( 2 ) إذ تبدل الشيء بالشيء واستبداله أخذ الأول بدل الثاني بعد أن كان حاصلا له أو في شرف الحصول ولا ريب أن ذلك لا يتحقق في ذواتهم .